ابن أبي الحديد
37
شرح نهج البلاغة
قال : وإن معي لبصيرتي ، أي عقلي ، ما لبست على الناس أمرهم ولبس الامر على ، أي لم يلبسه رسول الله صلى الله عليه وآله على بل أوضحه لي وعرفنيه . ثم قال : وإنها للفئة الباغية : لام التعريف في " الفئة " تشعر بأن نصا قد كان عنده أنه ستخرج عليه فئة باغية ، ولم يعين له وقتها ولا كل صفاتها ، بل بعض علاماتها ، فلما خرج أصحاب الجمل ورأي تلك العلامات موجودة فيهم ، قال : وإنها للفئة الباغية ، أي وإن هذه الفئة ، أي الفئة التي وعدت بخروجها على ، ولولا هذا لقال : " وإنها لفئة باغية " ، على التنكير . ثم ذكر بعض العلامات ، ثم قال : إن الامر لواضح ، كل هذا يؤكد به عند نفسه وعند غيره أن هذه الجماعة هي تلك الفئة الموعود بخروجها ، وقد ذهب الباطل وزاح ، وخرس لسانه بعد شغبه . ثم أقسم ليملأن لهم حوضا هو ماتحه ، وهذه كناية عن الحرب والهيجاء وما يتعقبهما من القتل والهلاك ، لا يصدرون عنه بري ، أي ليس كهذه الحياض الحقيقية التي إذا وردها الظمآن صدر عن ري ونقع غليله ، بل لا يصدرون عنه إلا وهم جزر السيوف ، ولا يعبون بعده في حسي لأنهم هلكوا ، فلا يشربون بعده البارد العذب . وكان عمرو بن الليث الصفار أمير خراسان أنفذ جيشا لمحاربة إسماعيل بن أحمد الساماني ، فانكسر ذلك الجيش وعادوا إلى عمرو بن الليث ، فغضب ولقى القواد بكلام غليظ ، فقال له بعضهم : أيها الأمير ، إنه قد طبخ لك مرجل عظيم ، وإنما نلنا منه لهمة ( 1 ) يسيرة والباقي مذخور لك ، فعلام تتركه ! اذهب إليهم فكله . فسكت عمرو ابن الليث عنه ولم يجب .
--> ( 1 ) اللهمة : الجزء اليسير .